(1) كأنَّه يُفضِّلُ قصيدتَه على قصيدةِ أبي مُزاحمٍ، ومثلُه قولُ عَلَم الدِّينِ السخاويِّ في خِتامِ نُونيَّتِه المَوسومةِ بـ (عُمدَةِ المُجيدِ وعُدَّة المفيدِ في مَعرفةِ التجويدِ):
أَبْرَزْتُها حَسْنَاءَ نَظْمُ عُقودِهَا ..... دُرٌّ وَفُصِّلَ دُرِّهَا بِجُمَانِ
فَانظُرْ إِلَيهَا وَامِقًا مُتَدَبِّرًا ..... فِيهَا فَقَدْ فَاقَتْ بِحُسْنِ بَيَانِ
وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ جَائِرٌ في ظُلْمِهَا ..... إِنْ قِسْتَهَا بِقَصيدَةِ الخَاقَاني
قلتُ: ومَا أحسنَ أدبَ ابنِ مالكٍ رحمه الله تعالى إذ يقولُ في ألفيَّتِه مُعترفًا بفَضلِ السابقِ بعدَ أن أثنى على نَظمِه:
وَتَقْتَضي رِضًا بِغَيرِ سُخْطِ ..... فَائِقَةً أَلْفِيَّةَ ابنِ مُعْطِ
وَهْوَ بِسَبْقٍ حَائِزٌ تَفْضِيلَا ..... مُسْتَوجِبٌ ثَنَائِيَ الجمِيلَا
وَالله يَقْضِي بِهِبَاتٍ وَافِرَهْ ..... لِي وَلَهُ فِي دَرَجَاتِ الآخِرَهْ
* تنبيه: لا تُعدُّ نُونيَّةُ السخاويِّ مُعارَضةً لرائيَّة الخاقانيِّ؛ لمخالفتِها إيَّاها في البَحرِ والقافيةِ، والسخاويُّ إنَّما نَظمَ قصيدتَه على مِنوالِ الأبياتِ الخمسةِ التي وَضعَها الخاقانيُّ في وَصفِ الرائيَّةِ، فهي مُوافِقةٌ لها في البَحرِ والقافيةِ.
ـ[(أبو إبراهيم)]ــــــــ[29 - 09 - 2011, 02:03 م]ـ
* ومِن مَظاهرِ اهتمامِ أهلِ العلمِ بها: ما وضعُوه عليهَا مِن شروحٍ تُبسِّطُ مَا أَوْمأَ الناظمُ إليهِ فيهَا، وتُقرِّبُ مَعانِيها، وتُنبِّهُ القارئَ إلى حقائقِها، ومِن أشهَرِ تِلكَ الشُّروحِ شَرحُ عَلمِ أَعلامِ القِراءةِ الإمامِ أبي عمرٍو الدانيِّ.
* ومِن مَظاهِرِ الاهتمامِ بها كذلكَ: استِفادةُ المصنِّفينَ في التجويدِ بعدَ ناظمِها
منهَا في مصنَّفاتِهم، واستِشهادُهم ببَعضِ أبياتِها:
ـ كما فعلَ أبو الحسنِ السعيديُّ في كتابِه (التنبيه على اللحنِ الجليِّ واللحنِ الخفيِّ).
ـ وكما فعلَ أبو الأَصبغِ الأندلسيُّ المعروفُ بابنِ الطحَّانِ في كتابِه (نِظام الأَداءِ). ـ واستفادَ منها كذلكَ الإمامُ عَلَمُ الدِّينِ السَّخاويُّ في كتابِه (جَمال القُرَّاءِ وكَمالُ
الإِقراءِ)، وكذلكَ في شَرحِه على الشاطبيَّة المسمَّى (فَتْح الوَصيدِ).
ـ وكذلكَ زَينُ الدِّين السَّنهوريُّ في كتابِه (الجامع المفيدُ في صِناعَةِ التجويد).
وغيرُهم مِمَّن صنَّف في علمِ التجويدِ والقِراءاتِ.
* وهذا الذي رأينَاهُ مِن اهتمامِ المتقدِّمينَ بهذهِ المَنظومةِ ما بعثَهم عليه إلَّا معرفتُهم لمكانةِ ناظمِها، وما ظهرَ لهم مِّن مزاياها «مِن إتقانِ صَنْعَتِها، وحُسنِ بَهجَتِها، وتَهذيبِ ألفاظِها، وظُهورِ مَعانيها، وسَلامتِها مِن العُيوبِ، ووُفورِ حظِّها مِن الجودةِ» كما قالَ الإمامُ الدانيُّ، ومِن مَزاياها:
ـ أولًا: احتِواؤُها على آدابٍ كثيرةٍ في القِراءةِ والإقراءِ، مِثلَ:
1ـ الدعوة إلى الحرصِ على الإسنادِ وأخذِ القراءةِ مِن أفواهِ الأئمَّةِ المتقنينَ.
2ـ التِزام القراءةِ بأحكامِ التجويدِ في الترتيلِ أو الحَدرِ.
3ـ الدعوة إلى تدبُّرِ الآياتِ عندَ قراءةِ القُرآنِ الكريمِ.
ـ ثانيًا: اشتمالُها على كثيرٍ من الفَوائدِ الظاهرةِ أو المستظهَرةِ، مثلَ:
1ـ نَظم الأقوالِ السائرةِ والحِكَمِ الباهرةِ، واقتباسِ الأبياتِ الذائعةِ.
2ـ الثناء على أئمَّةِ القراءةِ، معَ ثناءٍ خاصٍّ للإمامِ الكسائيِّ رحمهم الله تعالى.
ـ ثالثًا: بيانُها لبعضِ دقائقِ أحكامِ التجويدِ وكُلِّيَّاتِه، مِثلَ:
1ـ أهمِّيَّة رِياضةِ الألسُنِ، وتَكرارِ اللَّفظِ المتلقَّى مِن فمٍ مُحسِنٍ.
2ـ أهمِّيَّة مَعرفةِ اللَّحنِ في القراءةِ حتَّى يُجتَنب.
3ـ الإشارة إلى مَوازينِ الحروفِ، ووُجوبِ الاهتمامِ بها.
فكانت المنظومةُ لذلكَ حقيقةً باهتمامِ أهلِ العلمِ بحِفظِها ودِراستِها ورِوايتِها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
* يُنظَرُ للاستزادة: معرفة القراء الكبار (1/ 220)، وتاريخ الإسلام (24/ 182 الترجمة: 259) وفهرست ما رواه عن شيوخهابن خير الإشبيلي (73 ـ 74)، وغاية النهاية (2/ 67) و (2/ 85 ـ 86) و (2/ 321)، وشرح الداني للرائية (8 ـ 9)، وفتح الوصيد في شرح القصيد (1/ 124) والجامع المفيد في صناعة التجويد (144 و 154 و 172 وغيرها)، تحقيق الدكتور علي البواب للمنظومة ـ وسيأتي الحديث عنه ـ وكتاب (كليات التجويد والقراءات للدكتور فتحي العبيدي (29 و 50 و 267)، ومقدمة تحقيق شرح الداني للباحث غازي بن بنيدر العمري، وأَبحَاثٌ في عِلمِ التجويدِ (ص: 23 ـ 45)، وقد استفدتُ من الأخيرين كثيرًا في هذا المبحَثِ كذلك.
¥
نام کتاب : ملتقى أهل اللغة نویسنده : مجموعة من المؤلفين جلد : 10 صفحه : 815