responsiveMenu
فرمت PDF شناسنامه فهرست
   ««صفحه‌اول    «صفحه‌قبلی
   جلد :
صفحه‌بعدی»    صفحه‌آخر»»   
   ««اول    «قبلی
   جلد :
بعدی»    آخر»»   
نام کتاب : تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير نویسنده : الرازي، فخر الدين    جلد : 9  صفحه : 427
الْأَرْوَاحَ/ فِي حَوَاصِلِ الطَّيْرِ، وَأَيْضًا ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَسْرَحُ، وَهَذَا يُنَاقِضُ كَوْنَهَا فِي حَوَاصِلِ الطَّيْرِ.
وَالْجَوَابُ: أَمَّا الطَّعْنُ الْأَوَّلُ: فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الرُّوحَ عَرَضٌ قَائِمٌ بِالْجِسْمِ، وَسَنُبَيِّنُ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا الطَّعْنُ الثَّانِي: فَهُوَ مَدْفُوعٌ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْكِنَايَاتُ عَنْ حُصُولِ الرَّاحَاتِ وَالْمَسَرَّاتِ وَزَوَالِ الْمَخَافَاتِ وَالْآفَاتِ، فَهَذَا جُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الِاحْتِمَالِ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: مِنَ الْوُجُوهِ الْمُحْتَمَلَةِ فِي هذه الآية هو أن المراد أَنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ فِي الْحَالِ، وَالْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ هَذِهِ الْحَيَاةَ لِلرُّوحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهَا لِلْبَدَنِ، وَقَبْلَ الْخَوْضِ فِي هَذَا الْبَابِ يَجِبُ تَقْدِيمُ مُقَدِّمَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ عِبَارَةً عَنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ الْبِنْيَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَجْزَاءَ هَذِهِ الْبِنْيَةِ فِي الذَّوَبَانِ وَالِانْحِلَالِ، وَالتَّبَدُّلِ، وَالْإِنْسَانُ الْمَخْصُوصُ شَيْءٌ بَاقٍ مِنْ أَوَّلِ عُمُرِهِ إِلَى آخِرِهِ، وَالْبَاقِي مُغَايِرٌ لِلْمُتَبَدِّلِ، وَالَّذِي يُؤَكِّدُ مَا قُلْنَاهُ: أَنَّهُ تَارَةً يَصِيرُ سَمِينًا وَأُخْرَى هَزِيلًا، وَأَنَّهُ يَكُونُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ صَغِيرَ الْجُثَّةِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَكْبُرُ وَيَنْمُو، وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يَجِدُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ مِنْ أَوَّلِ عُمُرِهِ إِلَى آخِرِهِ فَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ. الثَّانِي: أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَكُونُ عَالِمًا بِنَفْسِهِ حَالَ مَا يَكُونُ غَافِلًا عَنْ جَمِيعِ أَعْضَائِهِ وَأَجْزَائِهِ، وَالْمَعْلُومُ مُغَايِرٌ لِمَا لَيْسَ بِمَعْلُومٍ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ شَيْءٌ مُغَايِرٌ لِهَذَا الْبَدَنِ الْمَحْسُوسِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جِسْمًا مَخْصُوصًا سَارِيًا فِي هَذِهِ الْجُثَّةِ سَرَيَانَ النَّارِ فِي الْفَحْمِ وَالدُّهْنِ فِي السِّمْسِمِ، وَمَاءِ الْوَرْدِ فِي الْوَرْدِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا حَالٍّ فِي الْجِسْمِ، وَعَلَى كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ الْبَدَنُ انْفَصَلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ حَيًّا، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ أَمَاتَهُ اللَّهُ إِلَّا أَنَّهُ تَعَالَى يُعِيدُ الْحَيَاةَ إِلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَزُولُ الشُّبُهَاتُ بِالْكُلِّيَّةِ عَنْ ثَوَابِ الْقَبْرِ، كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَعَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا [نُوحٍ: 25] فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ لَا امْتِنَاعَ فِي ذَلِكَ، فَظَاهِرُ الْآيَةِ دَالٌّ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، وَالَّذِي يُؤَكِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ الْقُرْآنُ والحديث والعقل. أما القرآن فآيات: إحداها: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي [الْفَجْرِ: 27- 30] وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ:
ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ الْمَوْتُ. ثُمَّ قَالَ: فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَفَاءُ التَّعْقِيبِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُصُولَ هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ عَقِيبَ الْمَوْتِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَثَانِيهَا: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ [الْأَنْعَامِ: 61] وَهَذَا عِبَارَةٌ عَنْ مَوْتِ الْبَدَنِ.
ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [الْأَنْعَامِ: 62] فَقَوْلُهُ: رُدُّوا ضَمِيرٌ عَنْهُ. وَإِنَّمَا هُوَ بِحَيَاتِهِ وَذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بَاقٍ بَعْدَ مَوْتِ الْبَدَنِ، وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ/ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ [الْوَاقِعَةِ: 88، 89] وَفَاءُ التَّعْقِيبِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الرَّوْحَ وَالرَّيْحَانَ وَالْجَنَّةَ حَاصِلٌ عَقِيبَ الْمَوْتِ، وَأَمَّا الْخَبَرُ
فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ»
وَالْفَاءُ فَاءُ التَّعْقِيبِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِيَامَةَ كُلِّ أَحَدٍ حَاصِلَةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَمَّا الْقِيَامَةُ الْكُبْرَى فَهِيَ حَاصِلَةٌ فِي الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَيْضًا
قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ»
وَأَيْضًا
رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَوْمَ بَدْرٍ كَانَ يُنَادِي الْمَقْتُولِينَ وَيَقُولُ: «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا» فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ أَمْوَاتٌ، فَكَيْفَ تُنَادِيهِمْ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّهُمْ أَسْمَعُ مِنْكُمْ»
أَوْ لَفْظًا هَذَا مَعْنَاهُ، وَأَيْضًا
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَوْلِيَاءُ اللَّهِ لَا يَمُوتُونَ وَلَكِنْ يُنْقَلُونَ مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ»
وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النُّفُوسَ بَاقِيَةٌ بَعْدَ مَوْتِ الْجَسَدِ.

نام کتاب : تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير نویسنده : الرازي، فخر الدين    جلد : 9  صفحه : 427
   ««صفحه‌اول    «صفحه‌قبلی
   جلد :
صفحه‌بعدی»    صفحه‌آخر»»   
   ««اول    «قبلی
   جلد :
بعدی»    آخر»»   
فرمت PDF شناسنامه فهرست